علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
263
ثمرات الأوراق
القلم . وقد تقدّم أن أبا طاهر كمال الدين إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهانيّ انفرد برسالة القوس ، والشيخ جمال الدين بن نباتة انفرد برسالة السّيف والقلم ، وقد انفردت برسالة السكّين ، وهي : يقبّل الأرض التي قامت حدود مكارمها ، وقطعت عنا مكروه الفقر بمسنون عزائمها ، وينهي وصول السّكّين التي قطع بها أوصال الجفا ، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشّفا ، وتاللّه ما غابت إلّا بلغت الأقلام من تعثّرها إلى الحفا . ومن العجائب أن لها لسانا لكلّ عنوان ما شاهدها موسى إلّا سجد في محراب النّصاب ، وذلّ بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب . كم أيقظت طرف القلم بعد ما خطّ ، وعلى الحقيقة ما رئي مثلها قط . وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا ، وحكم بصدق محبتها قطعا . ماضية العزم ، قاطعة السّنّ ، فيها حدّة الشباب من وجهين ، لأنها بالنّاب والنّصاب معلمة من الطرفين ، أنملة صبح تقمّصت بسواد الدّجى ولسان برق امتدّت في لهوات اللّيل ، فتنكّرت أشعّة الأنجم حتى ما عرف منها سهيل . هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الحدّ ، ومعلوم أنّ السّيف والرّمح لم يعرفا غير الجزر والمدّ . من أجلنا تدخل في مضايق * ليس لسيف قطّ فيها مدخل إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطّيف ، وكم لها من خاصّة جازت بها الحدّ على السيف ، تنسى حلاوة العسّال فلا يظهر لطوله طائل ، وتغني عن آلة الحرب بإيقاع ضربها الداخل . إن مرّت بشكلها المحلّى تركت المعادن عاطلة ، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادلة . شهد الرمح بعدالته أنها أقرب للّصواب ، وحكم بصحة ذلك قبل أن يتكامل لها النّصاب . ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرّحتها بإحسان ، ولا طالعت كتابا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللّسان ، تعقد عليها الخناصر لأنها عدة وعده ، وتاللّه ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلمت بحدّه . إن أدخلت إلى القراب كانت قد سكبت على الدخول ، أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها الهلاليّة قبول ، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس ، وبإقامتها الحدّ حافظت الأقلام على مواظبة الخمس . وكم لها من عجائب تركت جدول السّيف وهو في بحر غمده غريق ، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل التّطريق ، فلو عاصرها الكمال لعرك من قوسه الأذنين ، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين ، فإن جذبت إلى مقاومتها كانت لك يد تمتدّ ، وصلت السكين منك العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى ذي الحدّ . وهل تعاند